السيد محمد تقي المدرسي
119
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
الخارجية لهذه الكلمة أو تلك عبر كل جيل من أجيال المثقفين وما كانوا يفهمونه منها . فحتى لو كانت كلمة ( الصوفي ) معروفة في بدايات القرن الثاني للهجرة « 1 » ، فهل كانت تعني ذات المفاهيم التي نعرفها منها اليوم ؟ هذا هو السؤال . في رأيي ، أن للتصوف ثلاث مراحل وبالتالي ثلاثة معاني . الأول : الزهد والتقوى ويؤكد هذا التوجه علي الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والتبتل إلى الله سبحانه دون ترك المباح من لذات الدنيا ولكن بقدر محدود . وكان بين أصحاب الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من اقتدى به في إجهاد نفسه في العبادة والتوجه إلى الله سبحانه ، وكان الرسول يشجعهم على ذلك ، وينهى فقط عن أمرين : ألف : التشبه بالرهبان . باء : ترك ما أحل الله من الطعام والشراب والنكاح « 2 » . وفيما وراء ذلك لا يجد الأصحاب غضاضة من التفرغ للعبادة ، والتقشف في العيش ، وهكذا نجد بين أصحاب الرسول أشخاصاً في طليعتهم الإمام علي ( عليه السلام ) الذي اتبعه أهل البصائر من أصحاب الرسول في الزهد والتقوى ، وأبا ذر وعمار وأويس القرني . وإذا نهى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عثمان بن مظعون عن الترهب فلأنه كان ينحو منحى الرهبان الذين ابتدعوا سنة تحريم ما أحل الله عليهم من الطعام والنكاح . ومن خلال أحاديث الرسول يظهر أن نزعة الهروب من مسؤوليات الحياة كانت وراء الترهب .
--> ( 1 ) ( ) ويظهر من بعض الأحاديث التي نسردها في آخر هذا الفصل أن لبس الصوف كان شعاراً للزهد والترهب في القرن الأول للهجرة فراجع . ( 2 ) ( ) راجع آخر هذا الفصل ( الموقف الرسالي ) عن موقف الرسول من الترهب .